هشام جعيط
327
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
فتح « كور » دجلة « 1 » . وسواء اعتمدنا سيفا أو المخبرين الآخرين « 2 » ، وبالرغم من اختلافاتهم ، فإن قراءة نقدية للنصوص تحملنا على الاقتناع بأن عملية عسكرية ثانوية للتلهية « 3 » جرت بين سنة 14 و 16 ه ، وقد كانت بقيادة عتبة بن غزوان وبتوجيه من المدينة . ولا شك أن جموع بكر المقيمين بالحدود قد أشاروا بها « 4 » . فتسببت هذه الحركة في هجرة محدودة « 5 » . وكانت عملية ضعيفة المدى حدثت بأسفل دجلة ، فتم الاستيلاء على الأبلّه - مقر الحامية الفارسية - ودستميسان والفرات « 6 » . وكان من السهل انهاؤها مما يفسر أن العرب المهاجرين تكاثروا بسرعة . ولا شك أن ذلك قد وقع منذ سنة 15 ه بعد القادسية مباشرة . وكان على هذه الغزوات أن تكتسب لها قاعدة فقامت الخريبة بذلك . وقد أكدت بعض الأخبار أن العرب بنوا سبع قرى محصنة هي الدساكر « 7 » . ولعل المعسكر في هذه الصورة اتخذ شكل منشأة قروية متفرّقة ، فكان نواة للبصرة العتيدة « 8 » . لكن ذلك يبدو متناقضا مع أقوال هذه المصادر بالذات بخصوص إقامة معسكر من الخيام ، وأكواخ من القصب ، القصب الذي يقتلعه العرب في كل حملة لكي يتمّ تركيبه عند العودة « 9 » . من رأينا أنه ينبغي رفض فكرة بناء هذه
--> ( 1 ) البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 335 . ( 2 ) يذكر الطبري ، ج 3 ، ص 390 وما بعدها اسم الشعبي وأبي مخنف والمدائني . وتمثل المصدر الرئيس عند البلاذري في شكل مجهول : « قالوا » لكنه يذكر أيضا الواقدي وابن إسحاق وعوانة وأبا عبيدة ، ووهب بن جرير ، وآخرين أقل شهرة : فتوح البلدان ؛ والدينوري ، الأخبار الطوال ، ص 116 - 119 ، وقد ألحا على ما كان لهذه العمليات من استقلال وتدبير وأهمية . ( 3 ) كانت فكرة عملية التلهية وحماية الجهة الجنوبية واضحة عند سيف ، الطبري ، ج 3 ، ص 591 ، وعند البلاذري ، ص 336 ؛ ابن سعد ، طبقات ، ج 7 ، ص 5 . ( 4 ) مع سويد بن قطبة مماثل المثنى : فتوح البلدان ، ص 243 وص 335 ؛ الأخبار الطوال ، ص 116 حيث بدا بمظهر المقلد للمثنى وكان من عجل ؛ صالح العلي ، التنظيمات ، ص 34 . ( 5 ) فتوح البلدان ، ص 338 ؛ أبو مخنف في الطبري ، ج 3 ، ص 591 . ( 6 ) فتوح البلدان ، ص 335 - 341 . ( 7 ) لا سيما ابن إسحاق : البلاذري ، فتوح البلدان ، ص 337 ، وقد جعل منها مرحلة لاحقة أنشئت بعد وقت قصير من إقامة معسكر الخيام ؛ الواقدي ، في طبقات ابن سعد ج 7 ، ص 6 ، اعتبر ذلك بادرة عفوية قام بها بعض الأفراد . ( 8 ) . Massignon , « Explication du plan de Basra » , Opera Minora , III , p . 70 يرى ماسينيون أن الخريبة هي موقع البصرة في حين أنها تظهر على الأطراف . انظر : فتوح البلدان ، ص 336 ؛ الطبري ج 4 ، ص 498 وص 538 . ( 9 ) فتوح البلدان ، ص 336 و 342 . اقتبس عنه ياقوت ج 1 ، ص 432 ، كما هو معلوم ؛ الطبقات ج 7 ، ص 6 ؛ الأخبار الطوال ، ص 117 . الواضح أن المقصود هي المرحلة التالية .